مقالات وكتاب

هل مازال الوطن مكانًا أم شعورًا؟

بقلم  ــ هلا الخباز

 

“أنا أنتمي لحيث لا أنتمي”، عبارة كنت أعرف بها عن نفسي لكل من يسألني من أين؟ وكنت أرددها حينما يسألني قلبي لمن أنتمي؟
أنا أنتمي لأرض ولدت بها، حلمت وأنا أساهر ليلها، أكتب ملامح انتمائي، لأرض كونت ذكرياتي وتكون فيها أصدقائي، لمحيط أحمل عاداته، لطريق طويل عبرته وتفرعت جذوري بين طرقاته.. حتى أصبحت ابنة العبور، أحمل في لهجتي أثر الأمكنة، وفي نظرتي حنينًا لا يُترجم.. هي عبارة تختزل عمري وعمر أبناء الاغتراب من أمثالي، أولئك الذين يملكون أكثر من وطن وأكثر من عائلة.. ولا يسكنهم أيٌّ منها تمامًا.
أذكر أنني وضعت أغنية كرنة لهاتف جوالي في إحدى رحلات البحث عن ذاتي للفنانة كارول سماحة “وحشاني الدنيا في بلدي” ومع كل رنة كنت أحس بانقباضة تعصر قلبي، حنين لمكان ما.. لكن لمن؟ والغريب أنني تخلصت من النغمة حينما وصلت لأرض مولدي.. عندها سكنت روحي وعرفت انتمائي.
أنا أنتمي لحيث لا أنتمي..
عبارة تختزل وجع جيلٍ كامل من أبناء الاغتراب؛ أولئك الذين عاشوا بين جغرافياتٍ متباينة، وتربوا على أكثر من لهجة، وحملوا أكثر من ذاكرة، وتعايشوا مع عادات وتقاليد موطنهم بالمحبة.
ففي زمن السرعة والتغير، لم يعد الانتماء مجرّد بطاقة هوية أو عنوان إقامة، بل أصبح سؤالًا وجوديًا: من أنا؟ ولمن أنتمي؟
الانتماء في جوهره ليس مجرد حدود ووثائق رسمية، بل هو شعور بالأمان والجدوى. وكما قال إرنست همنغواي: “الوطن ليس المكان الذي وُلدت فيه، بل الذي تستطيع أن تموت فيه بسلام”.
في حياة الإنسان، تتعدد الأراضي.. هناك الأرض التي وُلدت عليها، والأرض التي حلمت عليها، والأرض التي احتضنت عثراتك، ودعمت نجاحاتك، يقول جبران خليل جبران في هذا الموضع: “ليس وطني ما يتغيّر مكانه على الخريطة، بل ما يسكن قلبي أينما سافرت”.
الأرض التي تستحق انتماءنا هي التي تمنحنا معنى الوجود لا مجرد الإقامة، الأرض التي لا تسألنا عن أصولنا ولهجاتنا، بل عما تضيفه لحياتها، فالوطن الحقيقي ليس قطعة أرض، بل حالة وجدانية يعيشها المرء حين يجد من يفهمه دون أن يشرح نفسه.
ولا يقتصر سؤالنا عن الأرض فحسب، بل عن عدد المرات التي سألنا فيها أنفسنا إلى أية عائلة أنتمي؟
هناك أوطان صغيرة لا تربطنا بها عروق دم، بقدر ما تربطنا بها خيوط حرير موصولة بالقلب، هم أصدقاء الاغتراب وإخوة الحياة، الانتماء العائلي هو أول انتماء نتلقاه دون اختيار، لكنه ليس بالضرورة آخره، فمع نضوجنا، تتسع “العائلة” لتشمل الأصدقاء الذين يفهموننا أكثر ممن تربوا معنا في نفس العائلة والمحيط، قد يشبهوننا أكثر من إخوتنا، يؤمنون بأفكارنا ويتبنونها وكأنهم آباؤنا الروحيون، نعيش بروابط وقيم مشتركة تصبح وكأنها ميراثنا الشرعي. يقول نيتشه: “ليس ما يولد معنا هو ما يصنعنا، بل ما نختاره أن يكون جزءًا منّا”.
فالعائلة التي نستحقها هي تلك التي تمنحنا مساحة لنكون نحن كما نحن على طبيعتنا، لا العائلة التي تفرض علينا قوالبها الجاهزة، هي العائلة التي مهما اختلفت أساليب حياتنا لا تبعدنا عن القلب.
الاغتراب ليس دائمًا غيابًا عن الوطن، بل قد يكون غيابًا عن الذات، فكم من شخص يعيش في قلب مدينته لكنه يشعر وكأنه غريب عنها؟ كم مرة جلست ضمن محيطك سارحاً في ملكوت آخر وتردد بداخلك أنك لا تنسجم معهم، أنك لا تنتمي لهم.
الاغتراب النفسي هو حين تفقد انسجامك مع ما حولك، وأن المكان الذي يجمعكم مكان لمرورك فقط. يقول ألبير كامو: “الإنسان في جوهره كائن يبحث عن معنى في عالمٍ لا يجيب”.
لهذا، فإن الاغتراب ليس لعنةً دائمًا، بل قد يكون رحلة ضرورية نكتشف فيها أن الانتماء لا يُمنح، بل يُبنى من الداخل، وأن أقوى الأوطان هي تلك التي نبنيها في قلوبنا بالحب والوعي والصدق.
ربما لا ننتمي إلى أرض واحدة ولا إلى عائلة واحدة، لكننا ننتمي إلى كل ما أحببناه بصدق، وكل من عبر بنا وترك أثرًا، إلى كل فكرة منحتنا نورًا، وإلى كل جرح جعلنا أعمق.. الانتماء الحقيقي هو أن تسكن نفسك بسلام، فحين تجد ذاتك، ستجد وطنك في كل مكان. وكما قال مارسيل بروست: “الوطن الحقيقي ليس مكانًا جغرافيًا، بل لحظةٌ نستعيد فيها أنفسنا”.
 
كاتبة ومستشارة في العلاقات العامة وصناعة الصورة الذهنية
 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى