مقالات وكتاب

القاتل الصامت في العصر الحديث

بقلم  ــ مرزوق بن علي الزهراني

 

تُعدُّ الضغوط النفسية من أبرز التحديات التي تواجه الإنسان في العصر الحديث، إذ باتت تُشكّل خطرًا حقيقيًا يهدد الصحة النفسية والجسدية على حدٍّ سواء. وبينما ينشغل العالم بالأسباب التقليدية للوفاة، مثل الأمراض المزمنة، يظل الضغط النفسي في الظل، رغم كونه من العوامل الرئيسة التي تقود إلى الوفاة المبكرة.

ومما لا شك فيه أن سبرغور هذا الموضوع يكشف حجم التأثير العميق للضغوط النفسية على الصحة العامة، خاصة مع ارتفاع وتيرتها وتعدّد مسبّباتها في الحياة اليومية المعاصرة. فقد بات من المؤكد أن الضغوط النفسية تُسهم بشكل مباشر في زيادة معدلات الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية. ووفقًا لتقارير منظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 264 مليون شخص حول العالم مصابون بالاكتئاب، وهو أحد أبرز العوامل المرتبطة بارتفاع معدلات الانتحار. ومع تصاعد ضغوط العمل، وتنامي التعقيدات في العلاقات الاجتماعية، يجد كثيرون أنفسهم محاصرين في دوامة من القلق والتوتر المزمن.

وتكمن إحدى النتائج الأخطر لهذه الضغوط في العزلة الاجتماعية. فعلى الرغم من التوسّع غير المسبوق في وسائل التواصل، إلا أن الشعور بالوحدة بات من الظواهر المتفاقمة. هذه العزلة لا تُضعف فقط القدرة على التكيّف، بل تفتح الباب لتفاقم الأزمات النفسية، في ظل غياب الدعم المجتمعي الفعّال.

ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه الحياة الرقمية الحديثة في تغذية هذه الضغوط، حيث أصبحت المقارنات المستمرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي سببًا خفيًا لتفاقم القلق وقلة الرضا. فالبحث الدائم عن المثالية، وتجميل الواقع الظاهري، يُسهم في خلق شعور دائم بالنقص، ويستنزف التوازن النفسي للفرد. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى وعي رقمي يعيد الاعتبار للحياة الواقعية، ويكرّس ثقافة الرضا الذاتي.

ولمواجهة هذا الواقع، فلا مندوحة من القول؛ بإن تعزيز الوعي العام بالصحة النفسية أصبح ضرورة لا تقبل التأجيل. ويتطلب ذلك جهودًا جماعية تبدأ من بناء بيئات داعمة، ولا تنتهي عند توفير الموارد النفسية المتخصصة. ومن المهم أن تتضمن هذه الجهود إنشاء برامج توعوية، ومراكز إرشاد نفسي، وورش تدريب على استراتيجيات فعالة لمواجهة الضغوط.

ومن بين أهم الوسائل التي تُسهم في التخفيف من حدّة التوتر النفسي: اللجوء إلى الله، والتسليم بأن كل ما يُصيب الإنسان هو ابتلاء، يحمل في طيّاته أجرًا وثوابًا، متى ما صبر واحتسب.
فالإيمان العميق يبعث في النفس طمأنينة، ويمنحها قدرة استثنائية على الصمود في وجه الأزمات، كما قال الله تعالى:
﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨].

إلى جانب ذلك، هناك ممارسات أخرى لا تقل أهمية، مثل: الرياضة المنتظمة، التأمل الذهني، والتواصل الصادق مع الأهل والأصدقاء. كما يُعد تبنّي ثقافة الإنصات باحترام، واحترام مشاعر الآخرين دون إطلاق الأحكام المسبقة، عاملًا حاسمًا في خلق بيئة أكثر دعمًا وإنسانية.

وتأسيسًا على ما سبق، فإننا نؤكّد على أن التعامل مع الضغوط النفسية ليس مسؤولية فردية فحسب، بل هو واجب جماعي يتطلب تكاتف الأفراد، ووعي المؤسسات، واستجابة السياسات العامة. كما نؤكّد أن الاعتراف بأن الضغوط النفسية تمثّل “القاتل الصامت” يُعد الخطوة الأولى نحو التغيير الحقيقي، لبناء مجتمع أكثر صحة وتوازنًا، ينعم أفراده بالطمأنينة النفسية، والرفاه الداخلي، والجودة الحياتية الملائمة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى