رفقًا بقلبك… فالطريق مزدحم
بقلم ــ مرزوق بن علي الزهراني
في هذه الحياة المتسارعة، قد يبدو السير فيها بسيطاً للوهلة الأولى… ننهض، نعمل، نبتسم، ونحب. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فنحن لا نسير فقط بين الطرق، بل نسير بين القلوب والنوايا، بين الأعين الخفية التي تراقب خطواتنا، وبين الأرواح التي تشاركنا المقعد ثم تُخفي في طياتها السكين.
الحياة مدرسة لا تُعلّم بالمحاضرات، بل بالمواقف. وكل خطوة فيها إما أن تكون بناءً يضيف إلى حصنك الداخلي لبنة، أو شرخاً يكشفك للعواصف. وهنا… لا يكفي أن تكون نقيًّا أو صادقًا، بل عليك أن تكون فطناً، حكيمًا، مدركًا لحقيقة البشر، وطبائعهم، وتقلبات قلوبهم.
ومن خلال رحلةٍ حياتية امتدت لنيّف وخمسين عامًا، ومن خبرةٍ اختلط فيها العرق بالدعاء، والفرح بالخذلان، والصدق بالخديعة، أضع بين يديك هذه الوصايا … لا لتأخذها على عجل، بل لتتأملها كمن يتصفح وجوه العابرين، باحثًا عن ملامحه الضائعة.
لا تشارك غيوراً… فإنك مهما بذلت، ستبقى في عينه خصماً، وفي قلبه نداً، وفي صدرك سهماً لا يُرى. الغيور لا يرى النور إلا إذا كان محجوبًا عنك، ولا يرضى لك فرحاً، ولو كانت دمعته حاضرة في كل محفلِ عزّك. فإياك أن تفتح له باباً، فإن دخله، أطفأ المصباح.
ولا تسأل حسوداً… فإنك إن استرشدته، ضللت، وإن استنصحته، غُررت، فالحسود لا يدلّك على الطريق بل يقطع عنك الجسر، ويبتسم وهو يخفي في صدره حريقًا يشتهي أن يراك تحترق به. إنك إن أشركت الحسد في رأيك، فقد جعلت العدو مرآتك.
ولا تُحاور جاهلاً… فالجهل داءٌ لا يُطاق، والحوار معه حريقٌ صامت. الجاهل يُهلكك بحماقته قبل أن يضرك بسوء نيّته. لا يفرّق بين الوقت والمكان، ولا يدرك صدى الكلمة، فإن غضب، سبّ، وإن ضحك، آذى. عش في صحراءٍ من الصمت خيرٌ لك من أن تغرق في ضجيج العقول الفارغة.
ولا تناهض من هو أقوى منك… فالشجاعة ليست في الاصطدام، بل في الحكمة. من ألقى بنفسه في فم الأسد لا يُدعى شجاعاً بل جاهلاً طائشاً. القوة ليست أن تثبت حضورك، بل أن تختار متى وأين وكيف تخوض المعركة. اعرف قدرك، وتذكّر أن الحجارة لا تحطم الجبال، لكنها تتهشم تحتها.
ولا تؤاخِ مرائياً… فإنه لا يصاحبك بل يتقمصك، لا يحبك بل يتزيّن بك. وجهه معك، وقلبه مع غيرك. يثني على غيابك، ويبتسم عند سقوطك، ويصلي في الصف الأول ليراه الناس لا ليقترب من الله. والمرائي داء العلاقات، يبني لك جسور الودّ من ورق، ويهدمك عند أول قطرة مطر.
ولا تصاحب بخيلاً… فإنك إن احتجته غاب، وإن ناديته تظاهر بالنوم، وإن سمع أنينك، تجاهله. البخيل لا يعرف دفءَ العطاء، ولا لذّة المشاركة، يعيش في خوف دائم من النقص، فقره في قلبه وإن امتلأ ماله. فكيف تصاحبه؟ وأنت تبحث عن يد تُعانقك لا يدٍ تُحاسبك على الهواء؟
ولا تستودع سرك… فالسِّر إذا خرج من صدرك مات وفاؤه، وإن كان في صدر أخيك. لا تظنن أن القلوب خزائن محكمة، فبعضها أبوابها من زجاج. السِّرُّ وطنٌ لا يعرف الغربة إلا إذا تركته. اجعل صدرك قبراً له، فليس كل من أحبك، يُحسن حفظك.
هذه ليست مجرد نصائح، بل هي نسائم الخبرة التي تُتلى على مسامع العقلاء في هدوء الليل. إنّ الحياة لا تُعاش بلا حذر، ولا تُفهم بلا تجربة، ولا تُروى بلا مرارة. فتمهّل… واجعل من وعيك قاربَ نجاتك، ومن تجاربك دربَ يقظتك.
فكلّ الذين سقطوا، لم يسقطوا فجأة… بل كانوا يوماً ما، يظنون أن النار دفء، وأن الثعابين تبتسم.