“وهم العروس”
بقلم ـ مرزوق الزهراني
“علم الجهال لا تحسب الدنيا عروس
كم صبي يوم زانت بعينه خلّته”
— مطلق الثبيتي
بهذا البيت البليغ، وضع الشاعر الراحل مطلق الثبيتي رحمه الله إصبعه على جرح الوعي البشري، حين يُفتن بالدنيا ويغفل عن حقيقتها. الدنيا، كما وصفها، ليست عروسًا كما يتوهم الجهال، بل هي زينة زائلة، وسراب لا يلبث أن يتبدد.
الدنيا تُغري. تُزين نفسها في أعين من لم ينضج وعيه، فتبدو لهم كالعروس المبهرة، فإذا ما أقبلوا عليها، تكشف عن وجه آخر؛ وجه الخيبة، والتقلب، والانكسار. كم من صبي ظنها ملكًا له، فما لبث أن صار عبدًا لها، حتى إذا أفاق من سكرته، وجد بين يديه السراب.
في فلسفة الزهد، الدنيا ليست دار مقام، بل محطة عابرة، ومزرعة لمن أراد أن يحصد في الآخرة. لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فكيف يُغتر بها؟ من فهمها، عمّرها بعمل صالح، وجعلها وسيلة لا غاية. ومن جهلها، خُدع بزخرفها، حتى إذا أزف الرحيل، وجد قلبه خواء.
جمال الدنيا، مالها، جاهها، كل ما فيها من مفاتن… إلى زوال. وحده ما كان خالصًا لله يبقى. من بناها على تقوى طابت دنياه، ومن بناها على لهو ضاعت دنياه وأخراه.
الدنيا، للعاقل، ليست قصراً يُشاد، بل حقل يُزرع.
هي جسر لا منزل، وممر لا مستقر.
العاقل من حمل زاده منها، لا من أثقل ظهره بمتاعها.
ومن أراد أن يعرف قدر الدنيا فليسأل نفسه:
ما الذي يبقى بعد الموت؟
المال؟ لا.
الشهرة؟ تموت.
الوجوه؟ تُنسى.
وما يبقى؟
كلمة صادقة، عمل خفي، دمعة خشية، وأثر نقيّ في قلوب الناس.
الدنيا ثوب مستعار، سرعان ما يُنزع، ومجال اختبار لا يدوم.
فلا تغتر بزخرفها، ولا تبيع الباقي بالفاني.
رحم الله مطلق الثبيتي، فقد لخص في بيت شعر حكمة عمر، ورؤية قلب، وبصيرة عارف.
بيته هذا ليس مجازًا شعريًا عابرًا، بل مرآة لمن أراد أن يبصر..